دياب لاحظ حركتها، لف ناحيتها بنص ابتسامة مجاملة. “وإنتِ لازم تكوني…” سكت. عينه جات في عينها. عينها ما اتهزتش. مفيهاش دمعة المطار، ولا ك.سرة الدوار. فيها حاجة جديدة… حاجة اسمها قرف. مد إيده بأدب أوتوماتيكي وقال: “And you are?” فاتن بصت لإيده الممدودة ثانية. ثانية كاملة. الأوضة كلها ساكتة. بعدين رفعت عينها لعينه مباشرة. مدت إيدها، سلمت سلام بيزنس، ضغطة سريعة، باردة، محتر.فة. ابتسامة صغيرة، ميتة، طلعت على شفايفها. وبصوت واطي، واضح، طلعت منه حروف صعيدي صافي قاصدة بيه ترميه سنة لورا:
“أزيك… يا ابن عمي.” الكلمة ض.ربته في صد.ره. إيده اتخشبت في إيدها. الابتسامة المجاملة اتمسحت كأن حد زرار off. وشه جاب ألوان… أحمر، أبيض، أصفر. “إيه؟… إنتِ… فاتن؟!” قالها بصوت مسموع، وهو بيتراجع خطوة غصب عنه كأنه لمس سلك عريان. عينه بتجري على وشها، على التايير، على الطرحة الستان، على الثقة اللي بتخر من كل حركة. بيدور على فاتن الغلبانة اللي رماها. مش لاقيها. سليم حاجبه اترفع ملي واحد. بص لفاتن، وبعدين نقل عينه لدياب. النظرة الهادية اتحولت لحاجة بتقيم، بتوزن. ساندي شهقت وحطت إيدها على بقها.
فاتن سحبت إيدها بهدوء من إيده اللي لسه متجمدة. نزلت إيدها وعدلت طرف جاكيتة التايير بحركة واحدة. بصت لدياب، وبعدين بصت لسليم وساندي كأنها بتكلمهم هما، وصوتها وصل لكل ركن في الأوضة: “أيوه يا دكتور دياب. فاتن الهلالي. اللي حضرتك سيبتها قدام مطار جون كينيدي من سنة بالظبط، وقلت لها ورقتك هتوصلك.”
الصمت اللي نزل كان تقيل. تقيل لدرجة إن صوت جهاز القلب في الطرقة بقى مسموع. دياب واقف، السماعة هتقع من رقبته، وعرق بارد بدأ يلمع على جبهته. سنة كاملة بيقنع نفسه إنه “عمل الصح”، وإنه “اتخلص من عبء”. ودلوقتي العبء واقف قدامه لابس تايير ماركة، وفي أوضة مستشفى VIP، وجنبها راجل اسمه سليم الصياد. سليم ساب الحيط وسند ضهره. تكتف تاني. بس المرة دي، عينه على دياب ما كانش فيها برود… كان فيها بداية كشف حساب.
الفصل الأخير: المقام الأوضة 712 اتجمد فيها الهوا. مفيش صوت غير صوت جهاز النبض بعيد. دياب واقف متسمر. عينه بتاكل فاتن من فوق لتحت، كأنه بيدور على غلطة، على دليل إن دي تمثيلية. بيدور على البنت اللي قال لها “إنتِ أقل مني”. مش لاقيها. اللي قدامه واحدة تانية خالص… تايير ماركة، وقفة واثقة، وعين باردة ما فيهاش ك.سرة المطار. بلع ريقه. بدلة الدكتور الواثق اتكرمشت عليه فجأة. صوته طلع واطي، مهزوز، مش لاقي الكلام اللي حافظه:
“فاتن… إنتِ… إزاي؟ إزاي اتغيرتي كده؟” سكت ثانية، وبعدين الكدب طلع لوحده من كتر الصدمة: “أنا… والله كنت بدور عليكي. من ساعة ما سيبتك وأنا ندمان. كنت عايز أرجعك… إنتِ دلوقتي… إنتِ تشرفي أي حد. تشرفيني أنا.” قرب نص خطوة، ووشه كله ندم متأخر سنة: “سامحيني يا فاتن. أنا غلطت… غلطت غلطة عمري.” فاتن سمعته للآخر. ما قاطعتش. بصت له… نظرة طويلة، فاحصة. مفيهاش كره، مفيهاش حب. فيها حاجة أتقل: شفقة. وبعدين… زاوية بقها اترفعت. ضحكة قصيرة، هادية، من غير صوت. بس كانت أقصى من قلم.
هزت راسها ببطء وقالت، وصوتها رايق وموزون: “بتدور عليا؟ دلوقتي يا دكتور؟ بعد ما قلت إني هضيع مستقبلك وإني أقل منك؟” سكتت لحظة، وعينها ما نزلتش من على وشه. قالت الكلمة اللي دفنته: “للأسف يا دياب… إنت مبقتش من مقامي.” “مقامي؟!” الكلمة طلعت منه شهقة. كأنه اتكهرب. فاتن ما ردتش عليه. لفت ببطء ناحية سليم. سليم كان واقف زي الجبل، ساكت، بس كل عضلة في وشه صاحية وبتسمع. فاتن مدت إيدها، من غير تردد، من غير ما تبص وراها. مسكت إيد سليم. شبكت صوابعها في صوابعه قدام عين دياب.
وبصت لدياب تاني. المرة دي الابتسامة وصلت لعينها. ابتسامة واحدة كسبانة، واحدة واصلة. قالت بصوت واضح، ثابت، تسمعه الممرضة اللي بره: “أيوه. مبقتش من مقامي. لأن أنا… أنا دلوقتي مرتبطة براجل شافني وأنا واقعة في الشارع، وما قالش إني أقل منه. شالني، وعلمني أقف، ومطلبش مني مقابل.” ضغطت على إيد سليم ضغطة خفيفة، وكملت وهي بتبص له: “سليم الصياد… خطيبي. وإن شاء الله جوزي قريب.” الاسم نزل على دياب زي جبل. “سليم… الصياد؟!” همسها وهو بيتراجع لورا، ضهره خبط في الباب. الملياردير اللي كان داخل يتملقه من دقيقة… هيبقى جوز “العبء” اللي رماه؟
وشه جاب كل الألوان. أحمر من الفضيحة، أبيض من الرعب على مستقبله، رمادي من الندم اللي خنقه. بقى صغير… صغير أوي في البالطو الأبيض الواسع عليه. فتح بقه، عايز يقول “فاتن اسمعيني”، “ده سوء تفاهم”، بس لسانه اتشل. سليم ما اتكلمش. بس ساب إيد فاتن، وحط إيده على ضهرها في حركة حماية خفيفة. وبص لدياب. نظرة واحدة بس. نظرة مفيهاش غضب، فيها أسوأ: لا مبالاة. كأن دياب بقى هوا.
دياب فهم الرسالة. فهم إن الأوضة دي، المستشفى دي، البلد دي… مبقاش له فيها مكان جنبهم. بلع ريقه، ووشه في الأرض. لف، وفتح الباب وخرج. خطوته اللي دخل بيها متعالية، خرجت بيها مجرورة. الباب اتقفل وراه بصوت واطي، بس صداه كان عالي جواه. الصمت رجع. بس المرة دي كان دافي. ساندي كانت شهقتها مكتومة، وباصة لفاتن بانبهار ودموع. فاتن خدت نفس طويل، أول نفس حقيقي من سنة. بصت لسليم، وابتسمت. ابتسامة تعب وسنين، بس فيها راحة. فيها وصول.
سليم قرب، مسح بصوابعه على كف إيدها اللي كانت لسه سقعانة، وهمس: “كويسة؟” هزت راسها. “أنا… أنا كويسة أوي يا سليم.” وقفت جنبه. مش متدارية وراه، ولا ساندة عليه. واقفة جنبه. راسها مرفوعة. وفي اللحظة دي بس، فهمت. فهمت ليه كل ده حصل. ليه اتجوزت غصب، ليه اترمت في المطار، ليه اتك.سرت. مهمة دياب في حياتها كانت تذكرة سفر اتجاه واحد… تذكرة رماها في الشارع، عشان القدر يجيب لها اللي يستناها ياخدها من على الرصيف.
عشان توصل لسليم الصياد وتكون من نصيبه. تمت الكاتبة ملك إبراهيم —